الشريعة والعقلانية

دائما ما يسأل من يبحثوا وراء الشريعة الإسلامية وقوانينها وكيفية تطبيقها عن مدي توافقها مع العقلانية وما وصل اليه الإنسان من العلم. فيرى البعض ان قوانين الشريعة تميل أكثر الي المجتمع الافلاطوني الذي لا يمت للواقع بصلة، ويري البعض الآخر ان ما تحويه الشريعه هي أحكام وقوانين بالية اتبعها أجدادنا لإفتقارهم الي ما بين ايدينا اليوم من علوم فهى بالتالي ليست قابلة للتطبيق منطقيًا وعقلانيا، والبعض الآخر يعتبرها قانون سماوي يفوق قدرة البشر علي الفهم والاستيعاب الكلي. لكن قليلون من يسألوا عن كيف كانت الشريعة من منظور اجدادنا الذين سعوا نحو تطبيقها؟ وكيف كانت مجتمعاتهم ومنظورهم عن العقلانية والقانون؟ لذلك فهذا المقال يحاول ان يصل الى رد على هذه الأسئلة من وجهة نظر سوسيولوجية وتاريخية بحتة. م

من المهم لفت نظر القارئ الي أهمية المقارنة بين منظور الإنسان اليوم عن كلمة “قانون” ومنظور المسلم قديمًا عن كلمة “قانون” أو بمعنى اصح” شريعة”. فكلمة “شريعة” مرتبطة دائمًا في اذهاننا بكلمة “قانون” أو مجموعة “القوانين” التي أرسى عليها الدين الاسلامي قواعده. وبما أن كلمة قانون دائمًا ما تكون مصحوبة في اذهاننا بمصطلح “السلطة” أو “الدولة” ونوع الجزاء الذي نتوقعه سواء بالسلب أو الإيجاب على من يتبع أو يخالف هذا القانون، انعكس هذا المفهوم تلقائيًا في أذهاننا أيضًا على الشريعة وسبب وجودها بأن من يتبعها فهو آمِن ومن يحيد عنها فسوف يُعاقَب وخاصة بعد الصاقها بكلمة قانون فأصبحت “قانون الشريعة الاسلامية”، وبالتالي أصبح من يطبق الثواب والعقاب هي الدولة أو السلطة الحاكمة. فإذا تخيلنا الشكل الهرمي لهذا الاستنتاج فسيبدأ من أعلي بمفهوم “الدولة” و”السلطة” التي يترأسهاالحاكم، ثم القانون أو التشريع وفي حالتنا هذه الشريعة، وينتهي بالمحكوم أي الشعب. وهذا هو النظام القائم حاليًا فيالعالم والذي يصفه البعض كنوع من العَقد الاجتماعي القائم بين الفرد والدولة، فيَنُص هذا العقد على أنه إذا لم يتبع الفرد مجموعة القوانين هذه فالناتج الطبيعي على الاخلال بذلك هو العقاب. وذلك كله عكس مفهوم المسلم العام قديمًا عن الشريعة، فإن الشريعة كقانون- في مفهومه-لا تستوجب العقاب في جميع حالات الإخلال بها لأن هناك حالات تحتمل عدة نتائج تبعًا للحادثة ويمكن أن تفضي في النهاية الي المسامحة في حالة أعلن مرتكب الخطأ استغفاره لارتكاب هذا “الخطأ” او “الذنب”. فالمجتمع الاسلامي قديمًا لم يعترف بوجود الحاكم بغرض تطبيق الشريعة ولم يعترف بوجوب استخدام سلطته لإنزال العقاب على من يخالفها وخاصة مع تعدُد واختلاف التفسيرات التي اعتمدت القرآن والسنة مصدران أساسيان لهم. م

فيري كل من وائل حلاق – باحث متخصص بالقانون وتاريخ الفكر الإسلامي- في مقاله “ما هي الشريعة” ومقاله المشترك مع اهارون لايش  – أستاذ الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة القدس-  “تحول الشريعة من قانون الفقهاء الي القانون الوضعي في العالم الإسلامي المعاصر” أن السلطة التشريعية القائمة على العقد الاجتماعي بين الفرد والدولة دخيلة على المجتمع الاسلامي الناشئ الذي اعتمد تشريعه ليس على العقد الاجتماعي ولكن على “الوحدة الاخلاقية”. فالقيم المجتمعية المشتركة كالشرف والنزاهة والعار وغيرها هم أساس استثمار الانسان في تحسين وتنمية علاقاته الاجتماعية وقبوله ووجاهته في المجتمع. فعلي سبيل المثال: عمل القاضي في المحكمة لم يكن مقتصرًا فقط على التحقيق وتتبع الأحداث ولكن الأكثر أهمية من ذلك هو تقصي نزاهة واستقامة الأشخاص المشاركين في التقاضي من كتاب المحكمة والمحققين والشهود. ولذلك فإن الإقرار بالشاهد في أي قضية يعتبر مستحيلاً دون وجود المعرفة الكافية بقيمه الأخلاقية وذلك لأن مصداقية الشهادة في حد ذاتها هي أساس الحكم القضائي. فإن تَكذِب معناه أن تَفقِد كل صِلاتك الاجتماعية وأن تكون في حكم المعزول تمامًا عن المجتمع. وبُناءً على ذلك، فإن الشريعة هُنا تُعتَبَر ممثلة في الأصل  لمجموعة معقدة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية التي تعم الهياكل المعرفية للنظام الاجتماعي والسياسي. ولذلك على عكس المكاتب الحكومية الحديثة حيث لا يدخل أحد إلا إذا اضطر الى تسوية مسألة رسمية، فقد كان المسجد مكانًا للسوق والنقاشات العلمية والملتقيات الاجتماعية. كما كان التعليم القانوني غير رسمي وفي متناول جميع الأفراد المهتمين دون أي اجراءات تقديم طلب رسمي لمؤسسة معينة وانتظار القبول، ولذلك كانت المعرفة القانونية منتشرة بين غير المتخصصين والتي جعلتهم قادرين على تمثيل قضاياهم دون وساطة قانونية –محامي. ك

وبناءًعلى ذلك فإن الشريعة تطورت المجتمع القديم تبعًا لنسق تعليمي دَمَجَ بين الأخلاقيات والقانون كمفهوم واحد تنبثق منه العلاقات الاجتماعية التي تشمل كل من العلاقات الاقتصادية والثقافية والتعليمية والفنية والسياسية وغيرها فكان الشكل الهرمي للمجتمع لا يبدأ من أعلي بالدولة أو السلطة ولكن بالمفهوم الأخلاقي للقانون الالهي أي جوهره الذي أتي من أجله وليس نصوص واحكام مقننة يتبعها نتائج محددة، ثم يأتي في الدرجة التي تليه الحاكم كمرؤس “بالقانون الاخلاقي”. ولذلك لم تكن فكرة وجود القانون التشريعي في حد ذاته عقاب لمن يحيد عنه ولكن لتحقيق قاعدة اخلاقية يتخذها الناس منهجًا لهم. ولذلك فإن الحكم علي عدم عقلانية الشريعة الاسلامية كنظام سياسي ينبع أساسًا من فكرة فصل الأخلاق عن السياسة وقيام مؤسسة القانون على مبدأ تنفيذ العقاب على من يحيد عن هذا القانون أو العقد الاجتماعي المتفق عليه. فعلي عكس فكرة وجود المسجد كنواة للتفاعل الاجتماعي بجميع أنواعه، شيدت مؤسسات منفصلة لكل واحدة اجراءات متعددة مختلفة عن الأخرى تحت نظام الدولة. ولذلك فعندما تُقارن الشريعة بالنسخة الحالية من القانون تعتبر جامدة وغير فعالة وخاصة لعدم وجود خبرة مجتمعية متراكمة بين الافراد في ممارستها وعدم وجود مفهوم الاخلاقيات كأساس للتشريع؛ والذي يعتبره النظام الحديث لا يمت للعقلانية والتطبيق العملي بصلة لأنه أقام القانون على مبدأ مختلف تمام الاختلاف عما استنبطت منه الشريعة.ولذلك أيضًا فإن المقارنة هنا تكون غير عادلة إذا قلنا إنها بين “الدولة العلمانية” و “الدولة الدينية” ولكن نقول بين “الدولة العلمانية” وما عرفناه قديما “كدولة اسلامية”. ك

شرح  السياق السوسيولوجي للشريعة  كما رآها وطبقها أجدادنا كجزء من ثقافتنا وتراثنا وتوضيح الفرق بينها وبين القانون  ليس  الهدف منه تفضيل هذا عن ذاك او وجوب تطبيق هذا والنفور من ذاك.  ولكن لكل معتقده وحضارته وثقافته واختلافه الذي يفخر به، فينتج عن ذلك اتباع الانسان لمسارات مختلفة في ألوان الحياة ومعانيها والتي تتميز جميعها بالجمال الذي يكمن في الاختلاف في حد ذاته. وتلك مجرد وجهة نظر تحتمل الصواب أو الخطأولكنها تسقط الضوء على زاوية مختلفة من القضية. ط11401217_864820433592052_5063504815232716935_n

ملحوظة: قد يُلاحظ بعض الاخطاء فى علامات الترقيم فى المقال و لكن ذلك بسبب عدم قراءة البرنامج الكتابى لهم. ك

Advertisements

One thought on “الشريعة والعقلانية

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s