“ما الذي في داخلي، ليجعلُني أنا؟”

“وفيما كنت أحدق في المطر، فكرت فيما يعنيه أن يكون المرء جزءً من شيء أو ينتمي إليه، وأن يكون هنالك من يذرف الدمع لأجلي …. ولكن لماذا يمكن أن يرغب أي شخص في البكاء من أجلي؟”

memories-are-what-warm-you-up-art-journal-quote-by-haruki-murakami-detail

هاروكي موراكامي (١٩٤٩) كاتب ياباني ذا توليفة فريدة في شخصية كاتب لم يكن يعرف حتى أنه يملك موهبة السرد الروائي الي أن بلغ التاسعة والعشرين عامًا. هو يقول إنه بدأ الكتابة من لا شيء وبلا سبب، فقط استيقظ يومًا ما فجأة في الرابعة فجرًا، احضر ورقة وقلمًا ثم جلس على طاولة المطبخ يكتب ويكتب دون توقف. وعندما يُسأل عن ذلك يهز كتفيه باستهجان ضاحكًا ويقول، “الأمر ليس كذلك، إنه أمر عفوي للغاية، أنا فقط اكتب ما أود أن أكتب. وأنا اكتشف ما أود ان اكتب اثناء عملية الكتابة”.

رغم أنه رُشِحَ لجائزة نوبل في الأدب إلا إنه عندما قرر كتابة روايته الاولي لم يكن يعرف حينها أي شيء عن تقنيات السرد الروائي. ولأنه شخصية فريدة فقد توصل إلى حل مثالي وهي الموسيقي. موراكامي يقول: “اكتب كأنك تعزف”، فليس من الممكن في معرض الحديث عن موراكامي أن نفصل بينه وبين الموسيقي ويَظهًر ذلك جليًا في كثير من رواياته بعناوين ومواضيع اتخذت طابع الموسيقي الكلاسيكى، مثل الكتب الثلاثة التي تمثل وقائع الرياح حتى الطيور: “سرقة غراب العقعق” من أوبرا روسيني، “طائر كما النبي” بعد قطعة البيانو لروبرت شومان والمعروف عادة في الإنجليزية بالطائر النبي. بعض رواياته أخذت عناوينها من الأغاني مثل “رقص، رقص، رقص” بعد أغنية ديل، ومع ذلك كان يعتقد على نطاق واسع بأنها جاءت بعد لحن بيتش بويز، وايضا رواية “خشب النرويجي” التي اخذت ايقاعها من أغنية البيتلز.

images (2)والموسيقي في رواياته لا تعطي السرد تشويقه فحسب ولكن اسلوبه يسمح لنا بتأمّل ما لا يُرى من تفاصيل وجودنا في دهشة مشوبة بحزن شفاف حيث أن قدرته على الادهاش تجعلك متورطًا في ركن من روايته بعوالمها الغريبة غير قادر على النوم! وهويجعلك تتخيل اشياء مثل تلك اليد الشفّافة التي تتسلّل إلى وعينا كلّ يوم فَتَعبث به وتأخذنا في جولة سحريّة عبر عالم مليء بالألغاز. عالم ليس لحياتنا أيّ معنى في غيابه؟ كذا تساءلنا جميعاً في لحظة بعينها من لحظات حياتنا مستمتعين بلعبة الاحتمالات المنسابة أمامنا كفقاعات الصابون وعندما تنتهي تظن أنك أفقت من اغفاءة مفاجئة وتحاول استبيان حدود واقعك من الأحلام. ورواياته بقدر ما هي غرائبية بقدر ما هي بسيطة تحتفل بسحر الحياة وتدافع عنها مُتَضَمِنة عوالم ومدن وشخصيات ورحلات شبه ملحمية تدور جميعها حول البحث عن الحب، ومعنى الموت، وقيمة الذكريات، فهي لا تدفع كل واحد منا فحسب إلى تأمل الحياة، بل تستفزه لكي يغيرها أو لكي يغير نفسه فيها فيبدأ رحلة البحث عن بوصلته الضائعة.

و مثال ذلك انه ربما يتناول أشياء مثل “الحرب” في رواياته  لا من منظور الحرب و الدمار و لكن من عقل ذلك الجندي البسيط الذي لا يعرف لماذا ترك قريته ذاهبًا الي مكان لا يعرفه. ثم يهديه عقله أنها ربما فرصة سانحة للتخلص من أعباء تواجهه في قريته ليعود الي اهله ظافرا –ربما- بأمل جديد و حياة جديدة في القرية ، ولا يعلم أنه ذاهب الي الموت بقدميه فهو لا يري الموت ولا يعرفه فيتحدث معه ولا يكرهه. ثم يتعود عليه ويلمح شبحه بشكل متكرر، إن شبح الموت كثيف للغاية، كما لو أن الموت قريب جدًا منه ويحيط به ويقبض عليهّ من كاحله. يمكنه أن يقع في أي لحظة، ولكن ذلك لا يفزعه لأنه لم يكن أبدًا موته هو. إنه دائمًا موت شخص آخر، إنه فقط في كل مرة يموت فيها شخص يشعر بأن ذلك ينهك قواه. وهو يريد أن يعرف لماذا! ولذلك يصف أحد القراء موراكامي قائلا عنه: “عندما يحزن موراكامي لا يكتب عن الحزن، بل يكتب الحزن نفسه، لا يزين أو يجمل الواقع، هو حزين ويكفي ذلك لأن يدخل في حالة من المزاج السيء وفقدان الاستمتاع بالطعام، والقراءة لسد شهية العقل لا أكثر. كلماته حقيقية تمامًا كالألم، تخرج من بين الورق لتلمس يدك، وقلبك، كما أنها لا تتوقف حتى تصيب فيك جزء ما، شيء ما، جرح ما، تصفعك بقوة”.

وعندما سُئل موراكامي عن غرائبية اعماله والتي قال البعض ن بها شيء من الروح الشريرة اجاب:” الأمر يشبه الولوج إلى بدروم منزل ما، شغفي الأساسي هو كتابة الروايات والقصص. أفعل ذلك لكي أعرف من أنا، إنني في الخامسة والستين من العمر، ولكن ما زال لدي فضول لمعرفة من أكون وماذا يمكن أن أجد في نفسي، وإلى أي شيء سوف أصير؟ بشكل ما أنا ناجح ولدي قراء على مستوى العالم، ولكنني لا أفهم لماذا يحدث هذا لي. إن الأمر يشبه المعجزة في وجهة نظري. فأنا لست شخصًا عظيمًا، أو ذكيًا أو موهوبًا، ولكنني أكتب، فقط أود أن أعرف لماذا يحدث هذا لي وليس لآخرين، فقط يحدث لي! فلو أن راعي الغنم ظهر في عمل لي، يكون هذا الأمر قد حدث بحق معي. أتعلم، لا رمزية هنا، لا مجازات، فقط أنا وهو.”      و

وقد يفاجئك ذلك عندما تعلم أن موراكامي عداء ماراثون، وهو لم يبدأ هوايته هذه إلا في سن الثالثة والثلاثين. هو مترجم ايضًا وحاصل على عدة جوائز أدبية عالمية منها جائزة فرانس كافكا عن روايته” كافكا على الشاطئ“، كما صنفته مجلة الغارديان على أنه أحد أبرز الروائيين على قيد الحياة في العالم. يرغب موراكامي في أن يُنقش على قبره العبارة التالية «كاتب (وعدّاء)». والجدير ذكره أنه وضع الكلمة الثانية بين هلالين فعلي رغم شهرته إلا أنه يحب ان يتذكر الناس بطولاته كعداء أيضا وليس ككاتب فقط لمجرد انه اكتسب شهرة بسبب ذلك

1690619_969291006431623_8892790724961321725_n.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s